في ظل انتشار ثقافة اللياقة البدنية على مواقع التواصل الاجتماعي، باتت الرياضة تُربط غالباً بالمظهر الخارجي وبناء العضلات وخسارة الوزن، بينما يغيب سؤال أكثر أهمية :ما مقدار النشاط البدني الذي يحتاجه الإنسان للحفاظ على صحته؟
تشير التوصيات الصحية العالمية إلى أن البالغين يحتاجون إلى ما لا يقل عن (١٥٠) دقيقة أسبوعياً من النشاط البدني المعتدل، أو (٧٥) دقيقة من النشاط المكثف، وهو ما يعادل نحو (٢٠) إلى (٣٠) دقيقة يومياً من الحركة المنتظمة، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة.
ولا تمثل هذه الأرقام مستوى اللياقة المثالي، بل الحد الأدنى الذي يساعد الجسم على تجنب الآثار السلبية للخمول، والذي يرتبط بارتفاع معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكري والسمنة وبعض أنواع السرطان.
ويرى مختصون أن الفائدة الصحية لا تبدأ عند الوصول إلى (١٥٠) دقيقة أسبوعياً فقط، بل تبدأ منذ اللحظة التي ينتقل فيها الشخص من نمط حياة خامل إلى ممارسة أي قدر من النشاط البدني، حتى لو كان محدوداً.
وتُظهر الدراسات أن أكبر مكسب صحي يتحقق عندما ينتقل الإنسان من قلة الحركة إلى ممارسة الحد الأدنى الموصى به من النشاط البدني، فيما تستمر الفوائد بالزيادة تدريجياً مع ارتفاع مستوى النشاط.
ولا يقتصر تأثير الرياضة على تحسين اللياقة أو التحكم بالوزن، بل يمتد إلى معظم وظائف الجسم.
فالنشاط البدني المنتظم يساعد على خفض ضغط الدم وتحسين حساسية الإنسولين وتقليل مخاطر أمراض القلب والشرايين، كما يساهم في تعزيز المناعة والحد من الالتهابات المزمنة.
كما تشير أبحاث طبية إلى أن الحركة المنتظمة ترتبط بانخفاض احتمالات الإصابة بالتدهور المعرفي وبعض الأمراض العصبية المرتبطة بالتقدم في العمر، فضلاً عن دورها في تحسين الصحة النفسية والتخفيف من التوتر والقلق.
وفي المقابل، يحذر خبراء الصحة من أن نمط الحياة المعاصر بات يعتمد بشكل متزايد على الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات أو في أماكن العمل ووسائل النقل، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة العامة حتى لدى الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بشكل متقطع.
لذلك، لا تقتصر النصائح الصحية على ممارسة التمارين فحسب، بل تشمل أيضاً تقليل فترات الجلوس الطويلة، والتحرك بانتظام خلال ساعات العمل، واستغلال الأنشطة اليومية البسيطة مثل المشي وصعود الدرج والقيام بالأعمال المنزلية.
أما بالنسبة لأنواع الرياضة، فيوصي المختصون بالجمع بين التمارين الهوائية كالمشي والسباحة وركوب الدراجة، وتمارين القوة للحفاظ على الكتلة العضلية، إضافة إلى تمارين المرونة والتوازن التي تساهم في تحسين الحركة والوقاية من الإصابات.
ومع ذلك، يؤكد الأطباء أن النشاط البدني وحده لا يكفي لتحقيق صحة جيدة، إذ يبقى جزءاً من منظومة متكاملة تشمل التغذية السليمة، والنوم الكافي، والحد من الضغوط النفسية.
في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى برامج رياضية معقدة أو ساعات طويلة من التدريب لتحقيق فوائد صحية ملموسة، فالحركة اليومية المنتظمة، مهما كانت بسيطة، تبقى أحد أهم العوامل التي تساعد على الوقاية من الأمراض وتحسين جودة الحياة.









