Home / اجتماعي / تحليل 30 ألف صورة دماغية يكشف مؤشرات مرتبطة بالصحة النفسية للمراهقين

تحليل 30 ألف صورة دماغية يكشف مؤشرات مرتبطة بالصحة النفسية للمراهقين

كشفت دراسة علمية حديثة ، استندت إلى تحليل نحو 30 ألف صورة للرنين المغناطيسي للدماغ، أن توقيت نضج المناطق الدماغية، وليس حجمها أو شكلها فحسب، قد يساعد في تفسير قابلية بعض الأطفال والمراهقين للإصابة بمشكلات نفسية، مثل الاكتئاب والقلق.وتشير النتائج إلى أن الدماغ لا ينمو بوتيرة واحدة في جميع مناطقه، إذ تنضج بعض الأجزاء في مراحل مبكرة من العمر، بينما يستمر تطور أجزاء أخرى حتى فترة المراهقة. ويرى الباحثون أن الاختلافات في توقيت هذا النضج قد ترتبط بظهور أعراض نفسية في مراحل لاحقة من الحياة.وفي دراسة نُشرت في مجلة “نيتشر” العلمية بتاريخ 21 تشرين الأول 2026، حلل فريق دولي من الباحثين نحو 30 ألف صورة للرنين المغناطيسي، جُمعت على مدى ست سنوات ضمن دراسة أمريكية واسعة شملت قرابة 12 ألف طفل. وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين أنماط نضج مناطق معينة من الدماغ وظهور أعراض تتعلق بالصحة النفسية بعد نحو أربع سنوات من إجراء الفحوص.وتُعد القشرة المخية، وهي الطبقة الخارجية للدماغ، من المناطق الأساسية المسؤولة عن وظائف متعددة، تشمل الذاكرة والإدراك واتخاذ القرارات. ومع نمو الأطفال، يتناقص سمك هذه الطبقة تدريجياً في عملية طبيعية ترتبط بنضج الدماغ وإعادة تنظيم شبكاته العصبية.وتتضمن هذه العملية ما يُعرف بالتقليم المشبكي، الذي يساعد على إعادة تنظيم الروابط بين الخلايا العصبية وتحسين كفاءة الشبكات الدماغية. كما يمكن للتغيرات التي تطرأ على الألياف العصبية والأنسجة المحيطة بها أن تؤثر في قياسات سمك القشرة المخية باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي.ووجد الباحثون أن ترقق القشرة المخية لا يحدث بمعدل ثابت، بل يتبع مساراً يشبه حرف “S”، إذ يبدأ التغير ببطء، ثم يتسارع، قبل أن يتباطأ مجدداً مع اقتراب المنطقة الدماغية من مرحلة النضج.وتختلف سرعة هذا التطور بين مناطق الدماغ؛ فالمناطق المرتبطة بمعالجة المعلومات الحسية تميل إلى النضج في وقت أبكر، بينما تستغرق المناطق المسؤولة عن التفكير المعقد والوظائف العقلية العليا وقتاً أطول. وعلى خلاف أبحاث سابقة ركزت على تحديد مناطق دماغية بعينها ترتبط بالاكتئاب أو القلق، تشير الدراسة الجديدة إلى أن فهم توقيت نمو هذه المناطق قد يكون مهماً أيضاً، إذ ربما ترتبط قابلية الإصابة بالمشكلات النفسية باختلاف المسار الزمني للنضج الدماغي، وليس بوجود تغيرات في منطقة محددة وحدها.ولفحص هذه العلاقة، قارن الباحثون بيانات التصوير الدماغي بالتقييمات النفسية التي جُمعت خلال السنوات اللاحقة، ووجدوا ارتباطات بين أنماط نضج مناطق معينة وظهور أعراض نفسية لاحقاً. كما درسوا أنماط النشاط الجيني المرتبطة بتطور الدماغ، ورصدوا مؤشرات قد تدعم احتمال مساهمة عوامل بيولوجية تبدأ تأثيراتها في مراحل مبكرة، بما في ذلك فترة ما قبل الولادة.ومع ذلك، شدد هذا النوع من النتائج على ضرورة التمييز بين الارتباط والسببية؛ إذ لا تعني المؤشرات الجينية أو الاختلافات في نمو الدماغ أن مستقبل الصحة النفسية للطفل محدد سلفاً. فالتطور النفسي والعصبي يتأثر بتفاعل معقد بين العوامل البيولوجية والتجارب الشخصية والظروف البيئية.ويرى الباحثون أن فهم العلاقة بين مسارات نمو الدماغ والأعراض النفسية قد يساعد مستقبلاً في تحديد المراحل العمرية التي يكون فيها التدخل المبكر والدعم النفسي أكثر فاعلية، رغم أن هذه النتائج لا تعني أن التصوير الدماغي أصبح أداة تشخيصية مستقلة للتنبؤ بالمشكلات النفسية لدى الأطفال.وتبقى ملاحظة الحزن المستمر، أو الانسحاب من الأنشطة التي اعتاد الطفل الاستمتاع بها، أو القلق المفرط، أو التغيرات الواضحة في الأداء والسلوك اليومي، من المؤشرات التي تستدعي الاهتمام وتوفير الدعم المناسب، مع اللجوء إلى تقييم متخصص عند الحاجة.