Home / أخبار / من إسقاط النظام إلى بناء الدولة..الطريق الأصعب أمام سوريا

من إسقاط النظام إلى بناء الدولة..الطريق الأصعب أمام سوريا

دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلا أن انتهاء الحرب بصورتها التقليدية لم يعنِ انتهاء الصراع، بل نقل البلاد إلى مرحلة أخرى عنوانها إعادة بناء الدولة وتحديد شكل النظام السياسي والأمني وتوزيع النفوذ والموارد.

تسعى دمشق إلى فرض مركزية الدولة وتوحيد الجيش والأجهزة الأمنية وإعادة بسط سلطتها على كامل الأراضي السورية مهما كان وبأي وسيلة، مدفوعة تحت ضغوط، لكن هذه المهمة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها إرث سنوات الحرب، وتعدد القوى على الساحة السورية، وضعف الاقتصاد، إلى جانب استمرار تأثير القوى الإقليمية والدولية.

ويبرز ملف قوات سوريا الديمقراطية “قسد” كأحد أهم الاختبارات أمام مشروع الدولة المركزية التي تحاول دمشق فرضها.

فرغم إعلان قسد انتهاء مهامها العسكرية ودخول عملية الاندماج مرحلة جديدة، إلا أن العملية لا تتعلق فقط بإعادة توزيع المقاتلين ضمن مؤسسات الجيش، وإنما تشمل مستقبل الإدارة المحلية، والحقوق السياسية والثقافية للكرد وضمانها دستوريا، وإدارة الحدود والثروات النفطية والزراعية في شمال وشرق البلاد.

ولذلك فإن نجاح هذا المسار سيشكل خطوة أساسية نحو سوريا مستقرة، بينما قد يؤدي فشله إلى إعادة إنتاج التوتر بين المركز والأطراف.

وفي الجنوب، تركز إسرائيل على منع عودة النفوذ الإيراني وقيام أي بنية عسكرية تعتبرها تهديداً لأمنها، منها حتى حكومة دمشق نفسها، الأمر الذي يجعل الجنوب السوري أحد أكثر الملفات حساسية أمام دمشق.

إقليمياً، تتحرك تركيا انطلاقاً من هواجسها الأمنية المرتبطة بالملف الكردي، وتسعى إلى ضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى مصدر تهديد لها كما تزعم، مع دعم قيام سلطة مركزية سورية.

في المقابل، يبقى الاقتصاد العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل المرحلة الانتقالية، فالنفط والغاز والقمح والزراعة والطاقة والمياه والمعابر وإعادة الإعمار أصبحت جزءاً من الصراع السياسي نفسه، وستكون قدرة الحكومة على إدارة هذه الموارد وتوزيع عائداتها بصورة عادلة بين المكونات عاملاً أساسياً في بناء الثقة بين المركز والمناطق.

كما أن تحسن الاقتصاد لن يكون مسألة ثانوية فالمواطن السوري سيقيس نجاح المرحلة الجديدة بقدرته على تأمين العمل والكهرباء والوقود والخدمات، وليس فقط بمدى توسع نفوذ الدولة أمنياً.

وعلى المستوى الداخلي، تواجه سوريا تحدياً أكبر يتمثل في إعادة بناء الثقة بين مكوناتها، فسنوات الحرب أنتجت انقسامات قومية ومناطقية وطائفية وسياسية عميقة، ما يجعل إعادة توحيد البلاد بحاجة إلى عقد وطني جديد يضمن المساواة والحقوق السياسية والثقافية.

وبناءً على ذلك، تبدو سوريا أمام ثلاثة مسارات رئيسية، الأول، نجاح عملية الدمج وبناء المؤسسات وضمان حقوق المكونات والأقليات بما يقود إلى دولة مستقرة تدريجياً، والثاني، قيام دولة مركزية هشة تستعيد السيطرة الجغرافية دون معالجة جذور الخلافات، والثالث، عودة صراع النفوذ إذا فشلت التسويات الداخلية وتصاعد التدخل الإقليمي.

المعركة السورية المقبلة لن تكون بالضرورة معركة عسكرية، بل معركة على شكل الدولة نفسها.

 فإذا نجحت دمشق في الجمع بين وحدة القرار واحترام التنوع، ضمان الحقوق، وبين استعادة السيادة وتحقيق التوافق الداخلي، فقد تتحول المرحلة الحالية إلى بداية حقيقية لإعادة بناء سوريا.

أما إذا غلب منطق الإقصاء والمصالح الضيقة، وكانت المصالح الإقليمية فوق مصالح الشعب السوري، فقد تنتهي الحرب القديمة من دون أن تنتهي الأزمة السورية وتعيد البلاد لنقطة الصفر ودوامة الصراع.